اسماعيل بن محمد القونوي

158

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

والاكتفاء على فحوى قوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [ الروم : 45 ] ) والاقتصار جواب سؤال مقدر بأن التفريق للفريقين فلم خص جزاء المؤمنين بالذكر قوله والاكتفاء عطف على الاقتصار أو على الإشعار أي لم يتعرض صريحا لحال الكافرين لأن المذكور يغني عنه لأنه في قوة أن يقال وليعاقب الكافرين أو لأن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هي الإثابة والعقاب واقع بالعرض وأنه تعالى يتولى جزاء المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه وأما عقاب المقصود بالذات أو اكتفى بفحوى قوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [ الروم : 45 ] عن قوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [ الروم : 45 ] من عدله فأقيم مقام ذلك لأنه يفيد فائدته قال الطيبي رحمه اللّه الظاهر أن قوله تعالى : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ [ الروم : 43 ] الآية كالمورد للسؤال والخطاب لكل أحد من المكلفين وقوله : مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [ الروم : 44 ] الآية وارد على سبيل الاستثناء ومنطو على الجواب فكأنه لما قيل أقيموا على الدين القيم قبل مجيء يوم يتفرقون فيه قيل ما للمقيمين على الدين وما على المنحرفين عنه وكيف يتفرقون فأجيب مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [ الروم : 44 ] الآية وأما قوله : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا [ الروم : 45 ] الآية فينبغي أن يكون تعليلا للكل لتفصيل ما يترتب على ما لهم وعليهم لكن تعلق بيمهدون وحده لشدة العناية بشأن الإيمان والعمل الصالح وعدم العبء بعمل الكافر ولذلك وضع موضعه أنه لا يحب الكافرين قال الإمام إنه لا يحب الكافرين وعيد ولم يفصله وهذا الإجمال فيه كل تفصيل فإن عدم المحبة من اللّه تعالى غاية العذاب نسأل اللّه السلامة قوله وتأكيد اختصاص الصلاح المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح بهم تعليل له يعني كان الظاهر أن يقال ليجزيهم من فضله بالضمير لأن المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات هم المذكورون في قوله : وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ [ الروم : 44 ] لكن وضع الذين آمنوا وعملوا الصالحات موضع ضميرهم إشعارا بأن المجازاة بالفضل معللة بالإيمان والعمل الصالح فكرر وصفهم بالصلاح بوضع المظهر المتضمن للعلة موضع المضمر لتلك النكتة قال صاحب الكشاف في هذا المعنى وتكرير الذين آمنوا وعملوا الصالحات وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أنه لا يفلح عنده إلا المؤمن الصالح وقوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [ الروم : 45 ] تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس يعني أن مفهوم ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله الموافق أنه يحب المؤمن الصالح ومفهومه المخالف أنه لا يحب الكافر فقوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ [ الروم : 45 ] بمنطوقه مقرر لمفهومه السابق وبالعكس وفي بعض حواشي الكشاف أن كل مؤمن صالح مفلح عنده وعكسه في ضمنه وهو من ليس بمؤمن صالح لا يفلح عنده وكذلك قوله : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ طرده كل كافر غير محبوب عنده وعكسه في ضمنه وهو من ليس بكافر محبوب عنده لأنه مؤمن والعكس ملزوم الطرد لأن العكس يحتاج إلى الطرد وضعا بخلاف الطرد فإنه لا يحتاج إلى العكس قال الإمام وفيه لطيفة وهي إن اللّه تعالى عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبيد قدم الكافر وعندما أسند الجزاء إلى نفسه قدم المؤمن لأن قوله : مَنْ كَفَرَ [ الروم : 44 ] وعيد للمكلف ليمتنع عما يضره فينقذه من الشر وقوله : وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً [ الروم : 44 ] تحريض له وترغيب في الخير ليوصله إلى الثواب والإبعاد مقدم وأما عند الجزاء ابتدأ بالإحسان إظهارا للكرم والرحمة .